الشيخ محمد هادي معرفة

40

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

آية وأسأله عنها . وكان يقول : أنا من الراسخين في العلم الذين يعلمون تأويله » . « 1 » وقال الراغب - في مقدمّة تفسيره - : « وذهب عامّة المتكلّمين إلى أنّ كلّ القرآن يجب أن يكون معلوما ، وإلّا لأدّى إلى بطلان فائدة الانتفاع به ، وحملوا قوله : « وَالرَّاسِخُونَ » ، أنّه عطف على قوله : « إِلَّا اللَّهُ » وقوّى ذلك بقراءة ابن‌مسعود : « ويقولون . . . » . وقوله : « يقولون » جملة حالية . « 2 » وذهب أبو الحسن الأشعري - شيخ الأشاعرة - إلى وجوب الوقوف على « والراسخون في العلم » لأنّهم يعلمون تأويل المتشابه . وقد أوضح هذا الرأي وانتصر له أبو إسحاق الشيرازي بقوله : « ليس شيء استأثر اللّه بعلمه ، بل وقف العلماء عليه ، لأنّ اللّه تعالى أوردَ هذا مدحا للعلماء ، فلو كانوا لا يعرفون معناه لشاركوا العامّة » . « 3 » وفيما نقلنا - هنا - من أقوال الأعلام كفاية في تزييف ما نسبه جلال‌الدين إلى السلف . ولعلّ الباحث يجد من أقوال الأئمّة أكثر . والعمدة : أنّ منكري العطف استندوا إلى مزعومة مفضوحة ، قالوا : « لأنّ المتشابه هو مالم يكن لأحد إلى علمه سبيل ، ممّا استأثر اللّه بعلمه دون خلقه ، وذلك نحو الخبر عن وقت مخرج عيسى بن‌مريم ، ووقت طلوع الشمس من مغربها ، وقيام الساعة وفناء الدنيا ، وما أشبه ذلك ، فإنّ ذلك لا يعلمه أحد » . « 4 » وقالوا في تفسير الآية : يعني جلّ ثناؤه بذلك : وما يعلم وقت قيام الساعة وانقضاء مدّة أجل محمّد وامّته وما هو كائن ، إلّا اللّه ، دون من سواه من البشر ، الذين أملوا إدراك علم ذلك من قبل الحساب والتنجيم والكهانة . وأمّا الراسخون في العلم فيقولون آمنّا به كلّ من عند ربّنا لا يعلمون ذلك ولكن فضل علمهم في ذلك على غيرهم العلم بأنّ اللّه هو العالم بذلك دون من سواه من خلقه . « 5 » ولعلّ هؤلاء قد غشيتهم غفلة ، فذهب عنهم أنّ آية آل عمران تقصد تنويع آي القرآن إلى محكمات ومتشابهات ، وأنّ المحكمات هنّ مراجع الامّة بالذات ، أمّا الآيات

--> ( 1 ) - تفسير المنار ، ج 3 ، ص 182 . ( 2 ) - مقدمة جامع التفاسير ، ص 86 . ( 3 ) - المباحث لصبحي الصالح ، ص 282 . ( 4 ) - راجع : جامع البيان ، ج 3 ، ص 116 . ( 5 ) - المصدر ، ص 122 ؛ ومجمع البيان ، ج 2 ، ص 410 ؛ وتفسير البيضاوي ، ج 2 ، ص 5 .